|
من ادب الرحلات الممتع بتفاصيله، ذلك الذي يجذب القارئ الى معرفة ما هو اكثر من المشاهدات العامة والسريعة. اكتب عن زيارتي الى واحدة من اجمل قرى جبل لبنان، دوما.
في هذا التحقيق وصف للرحلة الى دوما، في طريق الذهاب وفي فندقها الدائري وهو معلم من معالمها، مع بعض التوسع في ارجاء المنطقة التي تحيط بتلك البلدة اللبنانية الجميلة.
هي خمسة أيام بلياليها، كما تقول أغنية "وردة الجزائرية" الجميلة: في يوم وليلة، خدنا حلاوة الحب كله (كلمات حسين السيد وألحان محمد عبد الوهاب). على أني وحيد ههنا في "دوما"، ولا حلاوة ولا طراوة، لأن الحبيب بقي في بيروت. وها أنا أكتب في الساعة الخامسة من بعد الظهر، وقد اكتنفت الظلمة البلدة، الماثلة تحت نافذتي في الطابق الثاني من الفندق الدائري الذي هو أحد معالم دوما. بيد أن دوما المقرورة أمّحت تحت غطاء الظلمة، لكن أجراس كنائسها تعلن عن وجودها الساري، وعن وقدة إيمانها الارثوذكسي المتين العرى. وكما أن "الطرق تؤدي جميعها الى روما"، كذلك فللوصول الى دوما مسالك كثيرة. وقد اخترت، كما نصحوني على الهاتف عندما حجزت في الفندق، أن نتجاوز مفترق البترون على طريق بيروت ــ طرابلس، ثم أن نصعد الى "عبرين"، فـ "بجدرفل"، الواسعة الأطراف، بعدها "صورات" فـ "حلتا" حيث يقع المقر المهيب للبطريرك الراحل الياس الحويك. واسم هذا البطريرك مألوف عندي منذ الفتوة، لأنه أطلق على شارع في بيروت ذلك الممتد من باب إدريس عند مقهى طانيوس الشهير، نزولاً الى البورصة القديمة ومقهى الحاج داود ومقهى البحري، وبينهما كانت توجد مكتبة جمال.
الطريق الى دوما
على أننا بعد "صورات" و"حلتا" وصلنا الى "عورا"، وعند مفترقها رأينا عند واجهة استراحة، فنحن لم نعد بعيدين جداً عن الأرز ومنحدراته الثلجية، وجدنا رجلاً بدينا سألناه المشورة: هل نسلك طريق عورا الداخلي، أم نصعد قليلاً، وقد صرنا على الاوتوستراد، لنصل بعد ذلك الى دوما الشامخة عند الأعالي؟ ولا أدري ماذا دار في خلد الرجل البدين، أهو جهله الذي جعل منه هذا المكعب البشري، باعتبار: وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، على حد تعبير أبي الطيب، أم ان الاذية طبع فطر عليه وصار حشو جسمه فأفتى لنا، ملحاً، بأن ندخل مفترق عورا ونتابع السير الى مبتغانا. وهكذا أخذنا نتلوى في طرقٍ ضيقة، فمررنا في "بشتودار"؛ ثم وجدنا أنفسنا في طريق محفرة عند لحف الجبل تتسع لسيارتنا فقط، ولو ان سوء الحال رمانا بسيارةٍ قادمة في الاتجاه المعاكس لوقعنا في ورطةٍ حقيقية، فإن ينزاح أحدنا معنى ذلك أن يهوي الى قعر الوديان السحيقة؛ والرجوع، وقد تطاولت الطريق، ليس بالأمر السهل. ثم لو أن صخرة في الجبل فوقنا ارتأت أن تتدحرج، من باب تغيير المكان، لكانت كنستنا في طريقها: بعد هذه المكابدة شرعنا نلف في أحياء فتبينت انها تابعة لدوما، ووقف السائق "عصام" عند رجل ليسأله عن الأوتيل المبروم كيف يسلك ليصل اليه، فأشار عليه وهو متأفف ضجر. وأخبرونا في "الأوتيل أنه كان علينا أن نواصل السير على الاوتوستراد، ثم ننحرف بعد قليل عند اليمين في طريق ميسرة لا تزال تصعد بنا حتى تدلف بنا في أعلاها الى الأوتيل الميمون. على أن الطقس كان نصيراً لنا ومعيناً حقيقياً. ولقد تواعدت مع السائق عصام، الذي أتعامل معه منذ سنوات، أن يأتي اليّ في العاشرة. وهو يتميز بدقته المتناهية، ولو تأخر عن الموعد المضروب دقائق لأثار في صدري البلابل (جمع بلبال)، ولا بلبل هناك. وها هي الساعة تتجاوز العاشرة بخمس دقائق، بعشر، بعشرين... ولم يصل صاحبنا. فدب القلق في نفسي، على انه وصل أخيراً عند العاشرة والنصف تماماً. وكانت الزحمة قوية عند مدخل بيروت الشمالي، ثم تيسر الحال وانطلقت السيارة بزخمها. واقتضت الرحلة من بيروت الى دوما ساعتين على التمام، ساعدنا في ذلك أن الطقس كان مشمساً صحواً مجلواً، برغم أن المتنبئ الجوي زعم ان الأمطار ستكون زخات زخات.
شهر عسل
حجزت الفندق: يكاد يكون الفندق بأكمله محجوزاً لشخصي المتواضع. فموسم الصيف الحافل قد انقضى، وكانت دوما فيه منشغلة، بهمة شبيبتها، بمهرجانٍ صيفي مترع، وقد قرأنا الكثير من أصدائه في الصحف. والموسم الشتوي- عندما يفد على الفندق هواة التزلج فوق ربى الأرز- لم يبدأ. وبالتالي فهو موسم الآن ميت، كما يقولون، ويعوّل الفندق على الوافدين في "الويك أندات". حالياً، واليوم هو الأربعاء في الثاني من تشرين الثاني 2005، ليس هناك من نزلاء سوى شخصي، كما اسلفت؛ كما أن هناك أيضاً عريسين، عروساً انثى وعريساً ذكراً، كما أصبح يقتضي منا التنويه في زمن الشذوذ والانحدار الاخلاقي؛ فأنا تقدمي بل ثوري، كما هو معهود عني، ولكني محافظ جداً في صدد هذا الموضوع. ومن حسن الحظ أن غرفة العريسين ليست ملاصقة لغرفتي ذات الرقم 204، والا لكان عليّ ان احتمل ما يصدر عن فراش التنهدات من همهمةٍ متواصلة الحلقات تخترق الجدران، فهما ينزلان الفندق منذ أيام، ويبدو أن العسل آخذ مجراه، خصوصاً وأن الطقس ليلاً على شيءٍ من البرودة، ولا تقضي عليها، على نحو لائق، سوى الحرارة البشرية الفياضة. هنيئاً لهما، انهما يمارسان اجمل وأجود وأرق ما يفعله إنسانان متحابان. والأمنية لهما ان تظل نكهة العسل تطيب مجرى عمرهما، لا أن ينقلب الرحيق من عسل شاف الى بصل يمرمر زمنهما.
في المطعم كان الجو بارداً، فطلبت مدفأة كهربائية، فأشير علي ان انتقل الى البار حيث الجو ألطف وأصابع التدفئة وراء ظهري. وانتقيت للغداء: تبولة ورققات جبنة، مدعمين بالنبيذ الأحمر مصنوع في لبنان. وطال الانتظار، ثم هجمت علي "مرام" بصحن يحتوي رقاقتين تخينتين، يسميان "سبرنك رولز"، تشبهان شكلاً لفافات الملفوف المحشي باللحمة والأرز. فأبديت عجبي، فقالت انهما محشوتان بالخضار ولذيذتان، وهناك تحتهما خس مفروم، والى جانبهما حنجور يشتمل على شراب بندورة حرة. وجاء مثال ليشرح لي ان المطبخ لا يعمل كما ينبغي سوى في الويك اند، وكما تيسر في بقية الأيام.
"طريها شوي"
اليوم، الخميس، وأنا أضع الماء الساخن لأبلل ذقني وأدعكها بالصابون المحضر، للتطرية ومباشرة الحلق، ترامت الى ذهني طرفة فقهقت لها في الحمام، وخصوصاً انها طرفة من مخزون ذاكرتي. يحكى ان شخصاً ولج صالون الحلاقة، وكان هناك على الكرسي زبون، ما ان انتهى من دوره حتى احتفل به الحلاق واحتفى بالباسه المعطف وودعه بكل حفاوة، مع انه لم ينقده شيئاً خارجاً عن المألوف. وسأل الزبون المنتظر الحلاق عن الرجل، من اين وما شأنه، فأجابه انه من بعلبك مربض الأسود ومأوى البطولات ومنبع الشهامة. ولما جلس الزبون على الكرسي سأله الحلاق عن موطنه، فرد عليه بتعالٍ وبلهجة ممطوطة انه من بعلبك. ورغب الحلاق في تطرية ذقنه ووضع الصابون عليها، فأبى الزبون، وقال له بلهجةٍ قاطعة: على الناشف. ولكن ما ان عملت الموسى في ذقنه حتى ارتعدت فرائصه وكاد يتلوى من الألم. فقال للحلاق مستعطفاً: أنا منيش من بعلبك، أنا من جوارها، طريها شوي، طريها شوي! |