تحقيقات وشهادات

اعداد: احمد علبي
دوما الممتدة في أحضان جبال لبنان الشامخة
صورة القرية التي تهواها مخيلتنا وتكرّسها الفنون الشعبية اللبنانية

الأثنين, 12 ديسمبر, 2005

"قرية تحتضنها الجبال" من ادب الرحلات الممتع بتفاصيله، ذلك الذي يجذب القارئ الى معرفة ما هو اكثر من المشاهدات العامة والسريعة. اكتب عن زيارتي الى واحدة من اجمل قرى جبل لبنان، دوما.

في هذا التحقيق وصف للرحلة الى دوما، في طريق الذهاب وفي فندقها الدائري وهو معلم من معالمها، مع بعض التوسع في ارجاء المنطقة التي تحيط بتلك البلدة اللبنانية الجميلة.

هي خمسة أيام بلياليها، كما تقول أغنية "وردة الجزائرية" الجميلة: في يوم وليلة، خدنا حلاوة الحب كله (كلمات حسين السيد وألحان محمد عبد الوهاب). على أني وحيد ههنا في "دوما"، ولا حلاوة ولا طراوة، لأن الحبيب بقي في بيروت. وها أنا أكتب في الساعة الخامسة من بعد الظهر، وقد اكتنفت الظلمة البلدة، الماثلة تحت نافذتي في الطابق الثاني من الفندق الدائري الذي هو أحد معالم دوما. بيد أن دوما المقرورة أمّحت تحت غطاء الظلمة، لكن أجراس كنائسها تعلن عن وجودها الساري، وعن وقدة إيمانها الارثوذكسي المتين العرى. وكما أن "الطرق تؤدي جميعها الى روما"، كذلك فللوصول الى دوما مسالك كثيرة. وقد اخترت، كما نصحوني على الهاتف عندما حجزت في الفندق، أن نتجاوز مفترق البترون على طريق بيروت ــ طرابلس، ثم أن نصعد الى "عبرين"، فـ "بجدرفل"، الواسعة الأطراف، بعدها "صورات" فـ "حلتا" حيث يقع المقر المهيب للبطريرك الراحل الياس الحويك. واسم هذا البطريرك مألوف عندي منذ الفتوة، لأنه أطلق على شارع في بيروت ذلك الممتد من باب إدريس عند مقهى طانيوس الشهير، نزولاً الى البورصة القديمة ومقهى الحاج داود ومقهى البحري، وبينهما كانت توجد مكتبة جمال.

الطريق الى دوما

على أننا بعد "صورات" و"حلتا" وصلنا الى "عورا"، وعند مفترقها رأينا عند واجهة استراحة، فنحن لم نعد بعيدين جداً عن الأرز ومنحدراته الثلجية، وجدنا رجلاً بدينا سألناه المشورة: هل نسلك طريق عورا الداخلي، أم نصعد قليلاً، وقد صرنا على الاوتوستراد، لنصل بعد ذلك الى دوما الشامخة عند الأعالي؟ ولا أدري ماذا دار في خلد الرجل البدين، أهو جهله الذي جعل منه هذا المكعب البشري، باعتبار: وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، على حد تعبير أبي الطيب، أم ان الاذية طبع فطر عليه وصار حشو جسمه فأفتى لنا، ملحاً، بأن ندخل مفترق عورا ونتابع السير الى مبتغانا. وهكذا أخذنا نتلوى في طرقٍ ضيقة، فمررنا في "بشتودار"؛ ثم وجدنا أنفسنا في طريق محفرة عند لحف الجبل تتسع لسيارتنا فقط، ولو ان سوء الحال رمانا بسيارةٍ قادمة في الاتجاه المعاكس لوقعنا في ورطةٍ حقيقية، فإن ينزاح أحدنا معنى ذلك أن يهوي الى قعر الوديان السحيقة؛ والرجوع، وقد تطاولت الطريق، ليس بالأمر السهل. ثم لو أن صخرة في الجبل فوقنا ارتأت أن تتدحرج، من باب تغيير المكان، لكانت كنستنا في طريقها: بعد هذه المكابدة شرعنا نلف في أحياء فتبينت انها تابعة لدوما، ووقف السائق "عصام" عند رجل ليسأله عن الأوتيل المبروم كيف يسلك ليصل اليه، فأشار عليه وهو متأفف ضجر. وأخبرونا في "الأوتيل أنه كان علينا أن نواصل السير على الاوتوستراد، ثم ننحرف بعد قليل عند اليمين في طريق ميسرة لا تزال تصعد بنا حتى تدلف بنا في أعلاها الى الأوتيل الميمون. على أن الطقس كان نصيراً لنا ومعيناً حقيقياً. ولقد تواعدت مع السائق عصام، الذي أتعامل معه منذ سنوات، أن يأتي اليّ في العاشرة. وهو يتميز بدقته المتناهية، ولو تأخر عن الموعد المضروب دقائق لأثار في صدري البلابل (جمع بلبال)، ولا بلبل هناك. وها هي الساعة تتجاوز العاشرة بخمس دقائق، بعشر، بعشرين... ولم يصل صاحبنا. فدب القلق في نفسي، على انه وصل أخيراً عند العاشرة والنصف تماماً. وكانت الزحمة قوية عند مدخل بيروت الشمالي، ثم تيسر الحال وانطلقت السيارة بزخمها. واقتضت الرحلة من بيروت الى دوما ساعتين على التمام، ساعدنا في ذلك أن الطقس كان مشمساً صحواً مجلواً، برغم أن المتنبئ الجوي زعم ان الأمطار ستكون زخات زخات.

شهر عسل

حجزت الفندق: يكاد يكون الفندق بأكمله محجوزاً لشخصي المتواضع. فموسم الصيف الحافل قد انقضى، وكانت دوما فيه منشغلة، بهمة شبيبتها، بمهرجانٍ صيفي مترع، وقد قرأنا الكثير من أصدائه في الصحف. والموسم الشتوي- عندما يفد على الفندق هواة التزلج فوق ربى الأرز- لم يبدأ. وبالتالي فهو موسم الآن ميت، كما يقولون، ويعوّل الفندق على الوافدين في "الويك أندات". حالياً، واليوم هو الأربعاء في الثاني من تشرين الثاني 2005، ليس هناك من نزلاء سوى شخصي، كما اسلفت؛ كما أن هناك أيضاً عريسين، عروساً انثى وعريساً ذكراً، كما أصبح يقتضي منا التنويه في زمن الشذوذ والانحدار الاخلاقي؛ فأنا تقدمي بل ثوري، كما هو معهود عني، ولكني محافظ جداً في صدد هذا الموضوع. ومن حسن الحظ أن غرفة العريسين ليست ملاصقة لغرفتي ذات الرقم 204، والا لكان عليّ ان احتمل ما يصدر عن فراش التنهدات من همهمةٍ متواصلة الحلقات تخترق الجدران، فهما ينزلان الفندق منذ أيام، ويبدو أن العسل آخذ مجراه، خصوصاً وأن الطقس ليلاً على شيءٍ من البرودة، ولا تقضي عليها، على نحو لائق، سوى الحرارة البشرية الفياضة. هنيئاً لهما، انهما يمارسان اجمل وأجود وأرق ما يفعله إنسانان متحابان. والأمنية لهما ان تظل نكهة العسل تطيب مجرى عمرهما، لا أن ينقلب الرحيق من عسل شاف الى بصل يمرمر زمنهما.

في المطعم كان الجو بارداً، فطلبت مدفأة كهربائية، فأشير علي ان انتقل الى البار حيث الجو ألطف وأصابع التدفئة وراء ظهري. وانتقيت للغداء: تبولة ورققات جبنة، مدعمين بالنبيذ الأحمر مصنوع في لبنان. وطال الانتظار، ثم هجمت علي "مرام" بصحن يحتوي رقاقتين تخينتين، يسميان "سبرنك رولز"، تشبهان شكلاً لفافات الملفوف المحشي باللحمة والأرز. فأبديت عجبي، فقالت انهما محشوتان بالخضار ولذيذتان، وهناك تحتهما خس مفروم، والى جانبهما حنجور يشتمل على شراب بندورة حرة. وجاء مثال ليشرح لي ان المطبخ لا يعمل كما ينبغي سوى في الويك اند، وكما تيسر في بقية الأيام.

"طريها شوي"

اليوم، الخميس، وأنا أضع الماء الساخن لأبلل ذقني وأدعكها بالصابون المحضر، للتطرية ومباشرة الحلق، ترامت الى ذهني طرفة فقهقت لها في الحمام، وخصوصاً انها طرفة من مخزون ذاكرتي. يحكى ان شخصاً ولج صالون الحلاقة، وكان هناك على الكرسي زبون، ما ان انتهى من دوره حتى احتفل به الحلاق واحتفى بالباسه المعطف وودعه بكل حفاوة، مع انه لم ينقده شيئاً خارجاً عن المألوف. وسأل الزبون المنتظر الحلاق عن الرجل، من اين وما شأنه، فأجابه انه من بعلبك مربض الأسود ومأوى البطولات ومنبع الشهامة. ولما جلس الزبون على الكرسي سأله الحلاق عن موطنه، فرد عليه بتعالٍ وبلهجة ممطوطة انه من بعلبك. ورغب الحلاق في تطرية ذقنه ووضع الصابون عليها، فأبى الزبون، وقال له بلهجةٍ قاطعة: على الناشف. ولكن ما ان عملت الموسى في ذقنه حتى ارتعدت فرائصه وكاد يتلوى من الألم. فقال للحلاق مستعطفاً: أنا منيش من بعلبك، أنا من جوارها، طريها شوي، طريها شوي!

الجبال تحتضن "دوما"

الأثنين, 12 ديسمبر, 2005

"الفندق الدائري في دوما" ليست هي المرة الأولى التي أزور فيها دوما، فلقد هبطتها لاثنتي عشرة سنة خلت، خلال أواخر ايلول وأوائل تشرين الأول، وما زال الفندق الوحيد الجميل يؤويني الآن، وما زالت الاطلالة هي اياها على دوما وكنائسها وقبابها وعلى طرابيش بيوتها القرميدية الحمراء. وعندما هاتفت المسؤول في الفندق أصررت أن تكون غرفتي اليوم، كما كانت في الزمن السابق، في الجهة الغربية، لأظل مشدوداً الى هذا المنظر الآسر. ثم هناك الخضرة تتخلل البيوت وتنتشر قريباً من نافذتي صنوبراً وزيتوناً وسرواً.

الجبال تحوط دوما، على ارتفاع يبلغ المئة متر، لهذا لئن كانت دوماً على ارتفاع الف وخمسين متراً فوق سطح البحر، فهي عند المرتفعات تنضاف اليها هذه المئة متر. وهي تتمدد بين الجبال متنعمة بهذا الحضن الواسع الذي يحتويها. أشاهد عند المنحدر القريب دخنة بيضاء يتحلق حولها أربعة رجال. اتراهم يشوون فروجاً، والنار ظاهرة لعيني، يلتهمونه والوقت ظهراً؛ أم أنهم، والتحقيق الدولي يتلبسنا، يحرقون وثائق تدينهم لتهريبها من وجه ديتليف ميليس؟! وهذا القاضي الألماني، كما في تعبيرنا الشعبي: حلس ملس.

اشرقت الشمس صباحاً، وكنت أمني النفس بنزهة في طرقات دوما، ثم غلب الغيم فأقلعت عن فكرة التنزه وأنكببت على أوراقي. مشحات من الشمس تظلل الجبال في الأفق البعيد، على ان الغيم متراكم في السماء ينذر بمطر، ولكن أين المطر؟ وقد علمت من ابني على الهاتف، ان المطر كان مدراراً أمس في بيروت. أتراه اهتدى الى الطريق: أوصيتهم في الفندق، على الهاتف، قبل صعودي الى دوما، ان يزودا الغرفة بطاولة للكتابة وكرسي وبكلوب أو لمبادير، لأني حريص على الضوء ينسكب فوق أوراقي. وعندما هممت بالعمل بحثت مطولاً عن زر اللمبادير، المتوسط الحجم، ولكن من غير جدوى. وصديقي الذي لا ينسى، الأديب الراحل محمد عيتاني، بظرفه الذي اشتهر به، بارك، ذات مرة، لأحدهم بزواجه، فسأله ان كان اهتدى الى الطريق: المهم اني، بعد ان اعياني الأمر، طلبت من مثال ان يسعفني، فجاء وضغط باصبعه، وبخفة، على الطرف الدائري الخارجي، فأضاء اللمبادير، ثم مضى مشكوراً.

"قرية تحتضنها الجبال" من ادب الرحلات الممتع بتفاصيله، ذلك الذي يجذب القارئ الى معرفة ما هو اكثر من المشاهدات العامة والسريعة. اكتب عن زيارتي الى واحدة من اجمل قرى جبل لبنان، دوما.

في هذا التحقيق وصف للرحلة الى دوما، في طريق الذهاب وفي فندقها الدائري وهو معلم من معالمها، مع بعض التوسع في ارجاء المنطقة التي تحيط بتلك البلدة اللبنانية الجميلة.

هي خمسة أيام بلياليها، كما تقول أغنية "وردة الجزائرية" الجميلة: في يوم وليلة، خدنا حلاوة الحب كله (كلمات حسين السيد وألحان محمد عبد الوهاب). على أني وحيد ههنا في "دوما"، ولا حلاوة ولا طراوة، لأن الحبيب بقي في بيروت. وها أنا أكتب في الساعة الخامسة من بعد الظهر، وقد اكتنفت الظلمة البلدة، الماثلة تحت نافذتي في الطابق الثاني من الفندق الدائري الذي هو أحد معالم دوما. بيد أن دوما المقرورة أمّحت تحت غطاء الظلمة، لكن أجراس كنائسها تعلن عن وجودها الساري، وعن وقدة إيمانها الارثوذكسي المتين العرى. وكما أن "الطرق تؤدي جميعها الى روما"، كذلك فللوصول الى دوما مسالك كثيرة. وقد اخترت، كما نصحوني على الهاتف عندما حجزت في الفندق، أن نتجاوز مفترق البترون على طريق بيروت ــ طرابلس، ثم أن نصعد الى "عبرين"، فـ "بجدرفل"، الواسعة الأطراف، بعدها "صورات" فـ "حلتا" حيث يقع المقر المهيب للبطريرك الراحل الياس الحويك. واسم هذا البطريرك مألوف عندي منذ الفتوة، لأنه أطلق على شارع في بيروت ذلك الممتد من باب إدريس عند مقهى طانيوس الشهير، نزولاً الى البورصة القديمة ومقهى الحاج داود ومقهى البحري، وبينهما كانت توجد مكتبة جمال.

الطريق الى دوما

على أننا بعد "صورات" و"حلتا" وصلنا الى "عورا"، وعند مفترقها رأينا عند واجهة استراحة، فنحن لم نعد بعيدين جداً عن الأرز ومنحدراته الثلجية، وجدنا رجلاً بدينا سألناه المشورة: هل نسلك طريق عورا الداخلي، أم نصعد قليلاً، وقد صرنا على الاوتوستراد، لنصل بعد ذلك الى دوما الشامخة عند الأعالي؟ ولا أدري ماذا دار في خلد الرجل البدين، أهو جهله الذي جعل منه هذا المكعب البشري، باعتبار: وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، على حد تعبير أبي الطيب، أم ان الاذية طبع فطر عليه وصار حشو جسمه فأفتى لنا، ملحاً، بأن ندخل مفترق عورا ونتابع السير الى مبتغانا. وهكذا أخذنا نتلوى في طرقٍ ضيقة، فمررنا في "بشتودار"؛ ثم وجدنا أنفسنا في طريق محفرة عند لحف الجبل تتسع لسيارتنا فقط، ولو ان سوء الحال رمانا بسيارةٍ قادمة في الاتجاه المعاكس لوقعنا في ورطةٍ حقيقية، فإن ينزاح أحدنا معنى ذلك أن يهوي الى قعر الوديان السحيقة؛ والرجوع، وقد تطاولت الطريق، ليس بالأمر السهل. ثم لو أن صخرة في الجبل فوقنا ارتأت أن تتدحرج، من باب تغيير المكان، لكانت كنستنا في طريقها: بعد هذه المكابدة شرعنا نلف في أحياء فتبينت انها تابعة لدوما، ووقف السائق "عصام" عند رجل ليسأله عن الأوتيل المبروم كيف يسلك ليصل اليه، فأشار عليه وهو متأفف ضجر. وأخبرونا في "الأوتيل أنه كان علينا أن نواصل السير على الاوتوستراد، ثم ننحرف بعد قليل عند اليمين في طريق ميسرة لا تزال تصعد بنا حتى تدلف بنا في أعلاها الى الأوتيل الميمون. على أن الطقس كان نصيراً لنا ومعيناً حقيقياً. ولقد تواعدت مع السائق عصام، الذي أتعامل معه منذ سنوات، أن يأتي اليّ في العاشرة. وهو يتميز بدقته المتناهية، ولو تأخر عن الموعد المضروب دقائق لأثار في صدري البلابل (جمع بلبال)، ولا بلبل هناك. وها هي الساعة تتجاوز العاشرة بخمس دقائق، بعشر، بعشرين... ولم يصل صاحبنا. فدب القلق في نفسي، على انه وصل أخيراً عند العاشرة والنصف تماماً. وكانت الزحمة قوية عند مدخل بيروت الشمالي، ثم تيسر الحال وانطلقت السيارة بزخمها. واقتضت الرحلة من بيروت الى دوما ساعتين على التمام، ساعدنا في ذلك أن الطقس كان مشمساً صحواً مجلواً، برغم أن المتنبئ الجوي زعم ان الأمطار ستكون زخات زخات.

شهر عسل

حجزت الفندق: يكاد يكون الفندق بأكمله محجوزاً لشخصي المتواضع. فموسم الصيف الحافل قد انقضى، وكانت دوما فيه منشغلة، بهمة شبيبتها، بمهرجانٍ صيفي مترع، وقد قرأنا الكثير من أصدائه في الصحف. والموسم الشتوي- عندما يفد على الفندق هواة التزلج فوق ربى الأرز- لم يبدأ. وبالتالي فهو موسم الآن ميت، كما يقولون، ويعوّل الفندق على الوافدين في "الويك أندات". حالياً، واليوم هو الأربعاء في الثاني من تشرين الثاني 2005، ليس هناك من نزلاء سوى شخصي، كما اسلفت؛ كما أن هناك أيضاً عريسين، عروساً انثى وعريساً ذكراً، كما أصبح يقتضي منا التنويه في زمن الشذوذ والانحدار الاخلاقي؛ فأنا تقدمي بل ثوري، كما هو معهود عني، ولكني محافظ جداً في صدد هذا الموضوع. ومن حسن الحظ أن غرفة العريسين ليست ملاصقة لغرفتي ذات الرقم 204، والا لكان عليّ ان احتمل ما يصدر عن فراش التنهدات من همهمةٍ متواصلة الحلقات تخترق الجدران، فهما ينزلان الفندق منذ أيام، ويبدو أن العسل آخذ مجراه، خصوصاً وأن الطقس ليلاً على شيءٍ من البرودة، ولا تقضي عليها، على نحو لائق، سوى الحرارة البشرية الفياضة. هنيئاً لهما، انهما يمارسان اجمل وأجود وأرق ما يفعله إنسانان متحابان. والأمنية لهما ان تظل نكهة العسل تطيب مجرى عمرهما، لا أن ينقلب الرحيق من عسل شاف الى بصل يمرمر زمنهما.

في المطعم كان الجو بارداً، فطلبت مدفأة كهربائية، فأشير علي ان انتقل الى البار حيث الجو ألطف وأصابع التدفئة وراء ظهري. وانتقيت للغداء: تبولة ورققات جبنة، مدعمين بالنبيذ الأحمر مصنوع في لبنان. وطال الانتظار، ثم هجمت علي "مرام" بصحن يحتوي رقاقتين تخينتين، يسميان "سبرنك رولز"، تشبهان شكلاً لفافات الملفوف المحشي باللحمة والأرز. فأبديت عجبي، فقالت انهما محشوتان بالخضار ولذيذتان، وهناك تحتهما خس مفروم، والى جانبهما حنجور يشتمل على شراب بندورة حرة. وجاء مثال ليشرح لي ان المطبخ لا يعمل كما ينبغي سوى في الويك اند، وكما تيسر في بقية الأيام.

"طريها شوي"

اليوم، الخميس، وأنا أضع الماء الساخن لأبلل ذقني وأدعكها بالصابون المحضر، للتطرية ومباشرة الحلق، ترامت الى ذهني طرفة فقهقت لها في الحمام، وخصوصاً انها طرفة من مخزون ذاكرتي. يحكى ان شخصاً ولج صالون الحلاقة، وكان هناك على الكرسي زبون، ما ان انتهى من دوره حتى احتفل به الحلاق واحتفى بالباسه المعطف وودعه بكل حفاوة، مع انه لم ينقده شيئاً خارجاً عن المألوف. وسأل الزبون المنتظر الحلاق عن الرجل، من اين وما شأنه، فأجابه انه من بعلبك مربض الأسود ومأوى البطولات ومنبع الشهامة. ولما جلس الزبون على الكرسي سأله الحلاق عن موطنه، فرد عليه بتعالٍ وبلهجة ممطوطة انه من بعلبك. ورغب الحلاق في تطرية ذقنه ووضع الصابون عليها، فأبى الزبون، وقال له بلهجةٍ قاطعة: على الناشف. ولكن ما ان عملت الموسى في ذقنه حتى ارتعدت فرائصه وكاد يتلوى من الألم. فقال للحلاق مستعطفاً: أنا منيش من بعلبك، أنا من جوارها، طريها شوي، طريها شوي!

اسرار المفاتيح

الأثنين, 12 ديسمبر, 2005

"دوما وكنائسها وقبابها" وعندما باشرتُ العمل وجدت الضوء خافتاً، وما دامت القضية قائمة على اللمس، وانا متهم به في ميدان آخر، فقد عمدت الى لمس الجزء الدائري الداخلي فازداد الضوء سطوعاً، ثم ضغطه مرة ثانية فبلغ الضوء منتهاه. وعلى المنوال نفسه تطفئ الضوء جميعه بلمسة عابرة سريعة. وهذا ما ذكرني بحالتين مررت بهما، ووقفت امامهما لا ادري ما العمل. اولاهما حدثت في مهرجان الشباب العالمي في فرصوفيا في بولونيا، وذلك عام 1954، عندما كان للمعسكر الاشتراكي سطوة ومهابة وكان لليسار في الدنيا غد وشموس. فقد اهداني احد مسؤولي الوفد الصيني الى المهرجان علبة صغيرة، لعله اهتدى بالالهام الى اسم عائلتي، ولكن المرء يحار كيف يفتحها، لدقة صنعها وانسجام جوانبها وملامستها, ويبدو ان الرفيق الصبي تعرف الى حيرتي، فأمسك بها وضغط عليها من ناحية عليا، فامتد لسان خشبي خارجها.

الحادثة الثانية حصلت عام 1990، في "مشهد" الواقعة في جبال خراسان، هذه التي اطلعت ابا مسلم الخراساني، وبلغ هذا من الجبروت ان الخليفة المنصور خاف من غروره، ولم تكن ساقية الود جارية بين الرجلين، فاستدرجه الى بغداد حيث انقضت عليه سيوف اعوان ابي جعفر. المهم اني زرت هناك، في مشهد، مقام الامام علي الرضا المترامي الفخيم، ذا الابواب المتشابهات المقنطرة والمحلاة بالقاشي، بحيث يسهل ضياع من لا خبرة له بالمكان. واضطررت الى ولوج الحمام. ثم رغبت في غسل يدي بعد فركهما بالصابون السائل، ولكن لا مفتاح للحنفية لانزال الماء، الى ان اهتديت او هداني احدهم، الى وجوب وضع اليد تحت الحنفية، فينزل الماء عند ذلك تلقائياً. ولم استذوق هذه التكنولوجيا المتقدمة في مكان عابق بالعمارة التراثية.

الحب والوجد

الأثنين, 12 ديسمبر, 2005

"سوق دوما الداخلي" اتصلي يا "سليمى" اذني اليسرى مشدودة الى الهاتف، وذلك اني تواطأت، بين الجد والهزل، مع "سليمى" ان ترتاح مني طوال هذه الايام الخمسة، فلا التقيها طبعاً لبعد الشقة ولا اهاتفها ولا تهاتفني، علنا بذلك نختبر عواطفنا. ورن جرس الهاتف مساء البارحة وكانت هي على الخط، تطمئن الى سلامة وصولي والى انّي لا ارتعد من البرد والجبال العاليات تحضنني. فبثثت الطمأنينة في صدرها وحمّلتها شكري واشواقي. وانتويت اليوم، ونحن في اول ايام عيد الفطر، ان اتصل بها للتبريك بالعيد والسؤال عن الحال، فما راعني الا و"فكتوريا" على مكتب الاستقبال تخبرني ان الهاتف عندهم لا يوفر المخابرات الخلوية، وان ذلك يحتاج الى بطاقة هم على استعداد لتأمينها في الغد اذا حرصت على مخابرة من هذا النوع. واسقط في يدي، لان في الموضوع سابقة. ففي عيد الفطر، من السنة الماضية، امضيت خمسة ايام حافلات حاشدات رائعات في الاردن الشقيق، وكنت ازوره للمرة الاولى، ونفعتنا الرحلة في ان نقوم بمسح شبه شامل لما في البلد من مدن ومعالم وآثار. ولم اتصل بالعزيزة الغالية سليمى، لاني ودعتها وعايدتها سلفاً وانبأتها بحراجة الوقت، وقد شغلتني التنقلات المتلاحقة عن الاتصال. فانى لعاشقة ان تقبل عذراً مهما يكن العذر مبرراً، لهذا اجدني راغباً بالحاح في الاتصال الهاتفي لاشرح وضعي، ولئلا تأخذ بها الظنون اني اهملتها ونسيتها، ولئلا تقول في نفسها: ها هو حليم (او حليمة) تستأنف عادتها القديمة. وفي المرة الماضية استقبلتني سليمى، لدى عودتي من الاردن، بغضب ساطع وعتب يمتزج بالمرارة، وكنت بعيداً، فما عذري اليوم، ربما هي قائلة في نفسها، عن تخلفه وتأبيه، وهو قريب؟ ولربما، برغم طبيعتها العارمة، تتلجلج في الاتصال، فالحب قوامه طرفان، واي منهما يهمل هذه الغرسة النامية الزاهرة يتسبب عند ذلك في ذبولها وجفاف اوراقها. لم تتصل سليمى بعد، لا ريب ان كرامتها جريح، من غير وجه حق. ولقد وطدت العزم على ان اقصد البلدة، التي تبعد قليلاً عن الفندق، لأتدبر امر الاتصال بها على هاتفها الخلوي. ولكن المبرد هجم، ولا آمن هطول المطر بغزارة لدى سيري على الاقدام، ثم اني لا املك، غطاء لرأسي، سوى قبعة بيريه قد تستذوقها الريح فتأخذها بين ثناياها. الشجرة الصهباء ترتجف اوراقها ولا تفتر عن الاهتزاز والخفقان. الوانها تعيد الى ذاكرتي الوان فناني المفضل، فان غوغ، هذا الذي جمع في اهابه مدارس فنية وسيل مواهب عاصفة. يقول في رسالة بعثها، عام 1888، من مدينة "ارل" الفرنسية، الى شقيقته، وقد قرأتها مؤخراً في العربية: "تدفعني الرغبة في تلوين السماء المرصعة بالنجوم. غالباً ما يتراءى لي ان الليل اغنى من النهار بالالوان، بالبنفسجي والازرق والاخضر الاشد تركيزاً. واذا انتبهت الى ذلك فسترين ان هناك نجوماً بالاصفر الليموني و اخرى بالوردي والازرق والاخضر والازرق القاني بلون الزهور الصغيرة". عندما رغبت في المجيء في اليومين الاولين على وصولي، واذا البرد يتفاقم فيجعلني حبيس غرفتي الاثيرة في الفندق. وانا لا اطلب سوى هذا الحبس الانفرادي البهي. وما دمت قد شئته عن رضى وسعادة فهو كمحبس الرهبان.